‫الرئيسية‬ ثقافة و فن مصادر التشريع عند اليهودالوصايا العشر والتوراة والتلمود
ثقافة و فن - 11 أكتوبر 2018

مصادر التشريع عند اليهودالوصايا العشر والتوراة والتلمود

 عبد الرحمان الزنادي

عاش اليهود عيشة طيبة تحت ظل راية التسامح الإسلامي؛ فقد تمتعوا بحقوقهم المدنية والدينية كاملة دون نقصان، ولقي اليهود من المسلمين كل المودة والعطف والحماية، في مقابل معاناتهم من الاِضطهاد والتشريد والتنكيل من شعوب أوروبا المسيحية في العصور الوسطى.

وأعطى لهم حكم الإسلام حق المشاركة في العمل وحق الكسب وجمع الثروة وتولي وظائف الدولة. فعملوا في حرية وكسبوا مكاسب لا حدود لها وجمعوا ثروات طائلة وتولوا مناصب هامة في الدولة، ووصلوا إلى الوزارة نفسها وشاركوا في التعلم على يد أساتذة المسلمين، فخرج منهم علماء في الطب والفلسفة والفقه والتشريع 1.

وهذا ما يؤكده صاحب كتاب “تاريخ الإسرائيليين”؛ فقد قال إن المسلمين عاملوهم بالحسنى واللطف، فنجح اليهود وافلحوا ونبغ منهم كثير من الأطباء والفلكيين والمنجمين والكُتَّاب والشعراء والخطباء والفلاسفة، لا سيما في الأندلس، ولهم اليد الطولى بفضل العرب في حفظ بقايا معارف الأقدمين من اليونان والرومان، ونشرها في أوروبا لا سيما الفلسفة، وعهد إليهم الخلفاء بتعريب الكتب النفيسة في الطب وغيره عن اليونانية، وقد بقي شيء من هذه الترجمات في العربية، لكن الأصل اليوناني فُقِد تَمَامًا 2. ويؤكد أن اليهود لم يصادفوا في أوروبا وغيرها من حسن المعاملة ما لَقُوهُ من المسلمين، فكانت أيامهم في تلك القارة أيام محن ومصائب، فإن “باسل الثاني” اِمبراطور القسطنطينية آثار عليهم اِضطهادًا عنيفاً في القرن الحادي عشر ميلادي، ونقم عليهم الملوك الذين اِستولوا على بغداد بعد الخلفاء، ونكّلوا بهم، ففرّ جزءٌ كبير منهم إلى الأندلس، وأصاب الباقين من الذل والهوان ما أقعدهم عن طلب ما خسروهُ، وكانت أحوالهم في فرنسا مدة القرنين الثامن والتاسع أحسن منها في غيرها، لا سيما في باريس وليون ولانجدوكوبروتفس، فكان لهم نفوذ عظيم في بلاط الملك لويس المعروف بالدبونير، إلا أن ذلك لم يستمر طويلا ؛ فلم تكد السلالة الكارلوفنجية تستقر على سرير الملك حتى فاجأهم الاِضطهاد، فقام عليهم الملوك والأمراء والأساقفة وأذاقوهم العذاب ألوانا. وظَلَّ الأمر كذلك من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر، وتاريخهم في ذلك العصر، سلسلة تعذيب ومذابح3.

وتحتل ديانتهم مكانة مهمة في تاريخ الأديان، فهي أقدم الديانات التوحيدية، ولها دور كبير في فهم طبيعة ديانات الشرق الأدنى القديم، كما أن لها علاقة قوية بكل من المسيحية والإسلام، بالإضافة إلى أهميتها في فهم التاريخ اليهودي، ومعرفة الحركة الصهيونية الحديثة.

وبالنسبة لطبيعة ديانات الشرق الأدنى القديم، أفادت اليهودية بتركيزها على التوحيد كاِعتقاد أساسي في معرفة طبيعة الديانات غير التوحيدية التي اِعتقدت تعدد الآلهة. وكانت ديانة بني إسرائيل الاِستثناء الوحيد لهذه القاعدة الدينية، ولا يفهم التعدد إلا بضده، وهو التوحيد، ومن هنا تبدو أهمية اليهودية 4.

ويمكن تقسيم مصادر تشريعها إلى ثلاثة أقسام، وفق الترتيب التالي:

  • الوصايا العشر
  • التوراة
  • التلمود

وهذا ما سنهتم به في هذا البحث المتواضع.

 

  1. I. الوصايا العشر :

الديانة اليهودية مؤسسة على الدستور الذي أعطاه الله لموسى نبيهِ، مكتوبًا على لوحي الحجر، وهذا الدستور هو الوصايا العشر المشهورة، وهي أساس اِعتقادهم بالهٍ واحد عظيم قادر (كما أنها أساس اِعتقاد المسيحيين)، وكيفية عبادتهِ واِكرامهِ، وما يتوجب على عُبَّادهِ من الأعمال، وما يجب عليهم اِطراحهُ والابتعاد عنهُ.

وهذه هي الوصايا العشر، منقولة من الاِصحاح العشرين من سفر الخروج:

  1. لا تنطق باِسم الرب اِلَهك باطِلاً، لأن الرب لا يبرئُ من نطق باِسمهِ باطلاً.
  2. أذكر يوم السبت لتقدِّسه ستة أيام، تعمل وتصنع جميع أعمالك، وأما اليوم السابع ففيهِ سبت للرب اِلهك، لا تصنع عملاً ما أنت واِبنك واِبنتك وعبدك واَمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واِستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسهُ.
  3. أكرم أباك وأمك، لكي تطول أيامك على الأرض، التي يعطيك الرب اِلهك.
  4. لا تقتل.
  5. لا تَزنِ.
  6. لا تسرق.
  7. لا تشهد على قريبك شهادة زور.
  8. لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ اِمرأَة قريبك، ولا عبدهُ ولا اَمتهُ ولا ثورهُ ولا حمارهُ ولا شيئًا ممَّ لقريبك.
  9. II. التوراة :

التوراة كتاب سماوي يحتوي على تاريخ اليهود إلى سنة 240ق.م، وهي تتمم ما جاء في الوصايا العشر، وذلك فيما يخص أحكام الشريعة الخاصة بالعبادة والطقوس والمعاملات المدنية والعقوبات، نذكر منها أن القسم الطقسي من العهد العتيق، يحتوي على تفصيل مبادئ الديانة اليهودية وآدابها، وهو يتضمن التالي:

  1. تكريس هارون أخوا موسى وبنيه، لخدمة الكهنوت وما يتعلق بالشرائع والقوانين لتقديس اللاويين، وتعيين ما ينبغي اِعطاؤُهُ لهم من الأملاك والعشور والنذور وغلات البيادر وقطر المعاصر وأوائل القطاف وباكورة الأثمار واَبكار الأنعام وسائر الحيوانات. أما اَبكار البنين، فيؤْخذ عنهم مقدارا معلوما من الفضة فداءً، إذ أن الله اِختار سبط لاوي ليخدمنهُ بدلاً عنهم.
  2. الشرائع والنظامات المختصة بالذبائح والقرابين، وهي تشرح بالتدقيق الذبائح المتنوعة، التي ينبغي أن تكون من الحيوانات والطيور المعينة لطهارتها ونقاوتها، وكيفية تقديمها لِأجل المحرقة والسلامة والخطية والاِثم. مع الاِبانة عن أنواع الخطايا التي تتقدم لأجلها، والنهي عن تقديم البنين والبنات محرقات كما يفعل الوثنيون، الذين يحرقون أولادهم قربانًا لآلهتهم. تم تفاصيل السنة المتعلقة بالنجاسات والتطهيرات المختلفة والملابس والمواكيل. ومنها النهي عن طبخ الجدي بلبنِ أُمهِ.
  3. السنن المتعلقة بالأعياد، وهي تشمل خمسة أعياد يعيدونها لله في السنة، وهي عيد الفطير أو الفصح وعيد الحصاد وعيد رأس السنة وعيد الصوم الكبير وعيد الجمع أو المظال في اليوم الخامس عشر من أول السنة، وكما يكون أيضا كل يوم سابع من الأسبوع سبتًا لله، لا يعمل فِيه أدنى عمل، كذلك تكون كل سنة سابعة أيضًا سبتًا لا تزرع فيها الأرض ولا يقطف الكرم، بل تترك الأرض عطلاً، وغلاّت الكروم تكون مأْكلاً لفقراءِ الشعب ووحوش البرية. وهكذا كل سبعة أسابيع من السنين تكون السنة التي بعدها، أي الخمسين يوبيلاً، وهي سنة مقدسة لا يكون فيها زرع ولا حصاد أيضا، وينادى فيها بالعقق في الأرض لجميع سكانها، فيرجع كلٌّ إلى ملكهِ وإلى عشيرتهِ، إذ لا يبقى فيها دين ولا رفيق، ولذلك ينبغي أن يكون بيع أملاكهم بعضهم إلى بعض، بحسب غلة الملك المبيع منذ يوم بيعهِ إلى سنة اليوبيل المذكورة، وهكذا يشتريهِ المشتري، إذ فيها يلزم أن يرجع إلى بائعهِ الذي هو مالكهُ الأصلي، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ بعض البيوت التي تكون داخل المدن ذات الأسوار، إذا لم تفك قبل أن تكمل سنة واحدة من زمان بيعها.

وفي هذا القسم أيضا، توجد الأحكام السياسية لهذا الدين، وسنذكر تلخيصها لكونها صارت أصلاً لكثير من الشرائع الأتية بعدها، ولاسيما عند الذين يرون من الواجب مزج الأحكام السياسية بالأوامر الدينية.

فمن شروط المحاكمات فيهِ، عدم المحاباة مع المسكين أو اِحترام وجه الكبير أو تحريف الدعاوي أو قبول الخبر الكاذب، أو الاِصغاءِ إلى شاهد واحد، بل على فم شاهدين أو ثلاثة يصير اِثبات المدعي. والنهي عن أخذ الرشوة، والجور في القضاءِ، ووجوب اليمين على المنكر، والقسامة على أهل المدينة الأقرب إلى محل قتيل يوجد في الحقل ولا يعرف قاتلهُ.

ومن أحكام هذ الشريعة، ألا يسلمّ عبد آبق إلى مولاهُ، بل يبقى عند من يلتجئ إليه ما طابت نفسهُ، وأن العبد من بني إسرائيل يخدم مولاهُ ست سنين، ويخرج في السابعة حرًّا مجانًا، فإن كان متزوجًا، تخرج اِمرأته معه، إلاّ إذا كان سيدهُ قد أعطاهُ إياها، ولو ولدت لهُ أولاد، فلا يخرج إلاّ هو وحدهُ، وأما المرأَة وأولادها فيبقون في قبضة السيد. وإذا أراد العبد ألا يفارق امرأَتهُ وأولادهُ وأراد أن يبقى عبْدًا، فيأْخذهُ مولاهُ ويقربهُ إلى الباب أو إلى القائمة، ويثقب أذنهُ بالمثقب ومن ثمَّ يبقى في خدمتهِ إلى الأبد. وإذا باع الرجل ابنتهُ أمةً، فلا تخرج كما يخرج الرجل، بل إذا قبحت في عين سيدها الذي خطبها لِنفسهِ، يدعها تفك وليس لهُ سلطان أن يبيعها لقوم أجانب لغدرِه بها، وإن خطبها لاِبنه، فبحسب حق البنات يفعل لها، وإن اتخذ لنفسهِ أخرى، فلا ينقص طعامها وكسوتها ومعاشرتها. وأما الأسير من الأغراب، فيكون عبدًا يتوارثونهُ إلى الأبد 6.

III. التلمود :

يجمع هذا الكتاب أهم آداب اليهودية وتعاليم ديانتها منذ نشأتها وحتى تاريخنا هذا، وقد صاع جزءا من تاريخ ووصايا اليهود وذاكرتهم في “الأخلاق، الآداب، الدين، التقاليد والقضاء” وشكّل مشروعا وبرنامجا لهم.

وقد أخذ الحاخامات تعاليمهم ومبادئ ديانتهم عن الفريسيين، وبدأوا يحضّون على اِتباع شريعة موسى، واِحتفظوا لأنفسهم تفسير الشريعة على أهوائهم، وبعد مائة وخمسين عاما على ميلاد المسيح عليه السلام، خشي الحاخام “يوضاس” من ضياع هذه التعاليم، فجمعها في كتاب أسماه “الميشنا” ومعناه تكرار الشريعة، لأن شريعة موسى المجموعة في الكتب الخمسة مكررة في هذا الكتاب. وكان الغرض من الميشنا إيضاح وتفسير ما اِلتبس في شريعة موسى وتكملة لها. وقد أضيف للميشنا في القرون التالية شروحات وهوامش جرى تأليفها في مدارس فلسطين وبابل، أطلق عليه اسم “الجيمارا”. وبهذا يتكون التلمود7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *